عماد الدين خليل

21

دراسة في السيرة

واستعداد ، دور بثّ دعوة جديدة بين طبقات الأمة ، دور حرب ونزاع كلامي بين رجل ثابت في مبادئه ، مخلص في عمله ، وبين طبقة من الناس شعرت بالخطر على ثروتها وزعامتها في البلاد ، فهبّت تقاوم ذلك الرجل وتناوئه ، دور جهود وأحلام لو تحققت كلها لقلبت البلاد رأسا على عقب . ما أجمل هذا الدور وما أعظمه وما أحلى تلك الأحلام والمساعي التي بذلت في تحقيقها ! ! وأما الدور الثاني فكان دور عمل وتنظيم ، ودور حروب وافتتاحات ، ودور سياسة ومكاشفات أدّت إلى تساهل من الطرفين . ومعنى التساهل في مثل هذه الثورات الاجتماعية هو التنازل عن بعض مطالب أو مبادئ ، أو التلطّف في الطلب ، والرجوع عن بعض الأفكار ، أو وضعها في قالب يرضاه الفريقان . وهذا ما كان من أمر النبي العربي ، ورئيس جمهورية مكة ( أبو سفيان ) الخبير المحنك الذي كان يتكلم بلسان الملأ المكي ، هذا يعترف بسيادة النبي الروحية والعالمية ، ويهجر الأوثان ، ويؤدي الزكاة ويقيم الصلاة ، وذاك يتعهد أن تبقى مكة مركز البلاد العربية الديني وأن يجعل لأعيان مكة وقادة أفكارها حظا في إدارة المملكة أو الجمهورية الروحية الجديدة ، وأن يتركهم وشأنهم يتاجرون ويعيشون كما يشاؤون . أما الفريق الثالث ( أي الفقراء ) ، وهو الطرف الذي استعرّت الحرب لأجله ، وظهرت الدعوة لتحسين أحواله ، فقد أرضوه في بادىء الأمر بشيء من الصدقات والزكاة ثم نسوه أو تناسوه بعد وفاة النبي وخلفائه الأولين ، فرجع إلى حالته الأولى بل إلى ما هو أسوأ منها » « 1 » . إن فهم السيرة لا يمكن أن يتم إلا وفق نظرة شمولية تدرس حركة الإسلام كخطوات في برنامج شامل مرسوم في علم اللّه ، ومحدّد في قرآنه ، وأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن سوى منفّذ لهذا البرنامج بأسلوب يعتمد على قدراته وأخلاقيته وذكائه وإمكاناته الفذة في التخطيط والتنفيذ . . ورغم أن القرآن الكريم نزل منجّما ، وراحت آياته تنزل على مكث لكي تلامس الأحداث وتعلق عليها ( بعد وقوعها ) إلا أنه بمجموعه كمبدأ ( أيديولوجية ) لا يخرج عن نطاق كونه برنامجا إلهيا شاملا ترتبط ممارساته الجزئية بكليّات شاملة محددة سلفا في علم اللّه . ومن ثم فإن ( الظروف الراهنة ) ليست هي الحتمية المؤقتة التي تحدد مسار الإسلام وخطى

--> ( 1 ) من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام ص 51 - 53 .